الشيخ السبحاني

24

بحوث في الملل والنحل

وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ » « 1 » . وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة خطاياه وكانت مولدة تسمى عرفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً ، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب : « إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه وقدره أذهب عن ذوي العقول عقولهم » فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز ، وكثرت الستائر على دار الخلافة وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها - وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل - إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة . ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ، ممن لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر ، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية ، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وهم بقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتّى استعطى كثير منهم في الأسواق وعلى أبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثونهم ويحزنون على الإسلام وأهله . ولما فتحوا البلد ، قتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحوش ، وقني الوسخ ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون ، وكان

--> ( 1 ) . الرعد : 11 .